الشيخ الطوسي

503

التبيان في تفسير القرآن

اخبر الله تعالى : انه كرم " بني آدم " وإنما عنى بني آدم بالتكرمة مع أن فيهم كفارا ، لان المعنى كرمناهم بالنعمة على وجه المبالغة في الصفة . وقال قوم : جرى ذلك مجرى قوله " كنتم خير أمة أخرجت للناس ( 1 ) " فاجرى الصفة على جماعتهم من اجل من فيهم على هذه الصفة . ثم بين تعالى الوجوه التي كرم بها بني آدم بأنه حملهم في البر والبحر على ما يحملهم من الإبل وغيرها ، كما قال : " والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة " ( 2 ) والبحر ، والسفن التي خلقها لهم وأجراها بالرياح فوق الماء ليبلغوا بذلك حوائجهم " ورزقناهم من الطيبات " يعني من الثمار والفواكه وطيبات الأشياء ، وملاذها التي خص بها بني آدم ولم يشرك شيئا من الحيوان فيها من فنون الملاذ . وقيل : من تفضيل بني آدم ان يتناول الطعام بيديه دون غيره ، لان غيره يتناوله بفيه ، وانه ينتصب ، وما عداه على اربع أو على وجهه . وقوله : " وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " وليس المراد بذلك تفضيلهم بالثواب ، لان الثواب لا يتفضل به ابتداء ، وإنما فضلهم ابتداء بان خلق لهم من فنون النعم وضروب الملاذ ما لم يجعله لشئ من الحيوان ، وإنما فعل ذلك تفضلا منه تعالى ، ولما في ذلك من اللطف للعاقل ، والصلاح الذي ينتظم ويتم بهذا التأويل ، واستدل جماعته بقوله " وفضلناهم على كثير ممن خلقنا " على تفضيل الملائكة على الأنبياء ، قال لان قوله " على كثير ممن خلقنا " يدل على أن ههنا من لم يفضلهم عليهم ، وليس الا الملائكة ، لان ابن آدم أفضل من كل حيوان سوى الملائكة بلا خلاف . وهذا باطل بما قلناه من أن المراد بذلك تفضيلهم بالنعم الدنياوية ، والالطاف ، وليس المراد بذلك الثواب بدلالة ابتدائهم بهذا التفضيل . والثواب لا يجوز الابتداء به . وقوله " يوم ندعو كل أناس بإمامهم " قال الزجاج : يتعلق بقوله " يعيدكم . . يوم ندعو " وقيل : تقديره اذكر يوم . وقيل إنه يتعلق بقوله " وفضلناهم على

--> ( 1 ) سورة آل عمران اية 110 ( 2 ) سورة 16 النحل آية 8